الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

159

شرح ديوان ابن الفارض

الثلاثة وهي وبأيّ الطرق والبيتان قبله حيث ذكر الشيخ في كلّ منها صورة أي مع التزام ردّ العجز على الصدر في الثلاثة مع اختلاف معاني أي في الثلاثة . [ المعنى ] ( ن ) : يقول لا أدري بأي طريق أرجو رجع هاتيك الليالي فإن الروح قبل اتصالها وتعلّقها بالجسم كانت خالية من عالم الخيال فلما اتصلت بالجسم انفتح عليها عالم الخيال فأشغلها عمّا كانت فيه من قبل من الصفاء عن كل ما يشغلها ويلهيها عن الاتصال بعالم القدس وحضرات الأمر الإلهي فتمنى لو رجعت له الحالة الأولى وأخبر أنه لا يدري بأي طريق يصل إلى ترجّيه رجوعها فضلا عن رجوعها . ثم قال : ربما أموت على حالتي هذه والميت يحشر على حالته التي مات عليها ، فكان في حياته لا يدري بأيّ طريق يرجو رجوعها ، وبعد موته كذلك لا يدري . اه . حيرتي بين قضاء جيرتي من ورائي وهوى بين يديّ [ الاعراب ] « حيرتي » بفتح الحاء المهملة بمعنى التحيّر ، وهي عدم الاهتداء للسبيل . وحاصل البيت حيرتي بين أمرين : أحدهما من ورائي وهو القضاء ، والآخر بين يدي وهو الهوى . والهوى بضم الهاء وفتح الواو جمع هوّة على وزن قوّة وهي في الأصل الوهدة الغامضة من الأرض ، والمراد من الهوى مشكلة لا يدري الإنسان كيف يلقاها . وقوله « جيرتي » : منادى ، أي يا جيرتي ، وهي جملة ندائية معترضة بين المتعاطفين وكأنه يحكي لجيرته عن تحيّره بين أمرين وهما القضاء والهوى ، فالأول من ورائه ، والثاني بين يديه . وهذا البيت يفيد ما يلحق العارف من التحيّر في آخر أمره . قال الشيخ السودي : حيرة عمّت فأيّ فتى * رام عرفانا ولم يحرّ ولا شك أن القضاء الإلهي وراء كل كل حيّ تابعه على سبيل التحقيق والأمور الغامضة وهي أمور الآخرة بين يديه لا يعلم ما يصير أمره إليه فيها ، ولعمري إن هذا هو التحيّر الكامل الذي يقف العارف عن إدراكه . وفي البيت الجناس المصحّف بين حيرتي وجيرتي ، والطّباق بين ورائي وبين يدي ، وهوى بفتح الهاء والواو وهي بمعنى الميل ، ولعلّ ذلك عبارة عمّا سيأتي من نعيم الآخرة فهو متحيّر في حصوله . [ المعنى ] ( ن ) : يعني أن حيرته ناتجة عن أمرين : أحدهما القضاء الإلهي القديم الذي لا بدّ من نفاذه وهو من ورائه بحيث لا يعلم ما تضمنّه من مراد اللّه تعالى . وثانيهما الهوى أي الميل النفساني الذي لا يمكن ردّه إلا بمعونة اللّه تعالى وهو بين يديه